
منذ عقد ونصف من الزمن، فتح المغرب العديد من أوراش الإصلاح :
- الورش السياسي: التناوب التوافقي، مسلسل الانتقال إلى الديمقراطية…الخ….
- الورش الحقوقي: فتح ملف الانتهاكات الجسيمة ‘وطي’ صفحة الماضي الأليمة………. وتوسيع هوامش الحريات خصوصا الصحافية…..
- الورش التربوي التعليمي: الإصلاح الجامعي والميثاق الوطني للتربية والتكوين…
- الأوراش التنموية: المبادرة الوطنية للتنمية البشرية والأوراش الكبرى في البنى التحتية كميناء طنجة المتوسطي، الطرق السيارة…الخ….
- الإصلاحات الإدارية عبر ترسانة من القوانين: قانون الاستثمار، قانون العمل….
- الإصلاح الاجتماعي: قانون الأسرة
وغير ذلك من الأوراش…
تفاوتت درجات النجاح والإخفاق بين هذه الورشة وتلك :
- تعرقل مسلسل الانتقال إلى الديمقراطية.
- تراجعت المؤشرات في مجال حقوق الإنسان.
- إصلاح التعليم يحتاج اليوم إلى إصلاح.
- تراجع مؤشرات التنمية البشرية.
- تراجع ترتيب المغرب في سلم الفساد والرشوة.
- تراجعت حرية الصحافة.
- تراجع أو تدهور في القطاع الرياضي.
- تفاقمت نسبة الفقراء وازدادت الهوة بين الفقراء والأغنياء….
صحيح أن النجاحات والإخفاقات نسبية. وحتى لا نظلم الناس جهدهم فإن جهودا معتبرة قد بذلت لإنجاح هذه المشاريع ونجح بالفعل بعضها. ولكن المسؤولية تقتضي أن يطرح المغاربة الأسئلة العميقة الجريئة عن أسباب الفشل أو الإعاقات التي عرقلت بعض المشاريع الأخرى كان المغاربة يأملون منها أن تكون قاطرتهم لبناء مغرب جديد. مغرب التنمية والتقدم والرفاه.
- هل هي أسباب ذاتية داخلية المنشأ والسيرورة؟
- أم هل هي أسباب خارجية إقليمية ودولية مرتبطة بطبيعة النظام العالمي الجديد الوحيد القطبية، يقوم على عولمة ليبرالية متوحشة؟
- أم هما معا؟
لا يعتقدن أحد أن الجواب سهل. بل معقد تعقد المشاكل وتداخلها: البنيوي بالظرفي، المحلي بالدولي..
إن صعوبة تشخيص الأزمة وتحليل أسبابها وصعوبة معالجة تداعياتها لا يحول دون أن نجزم إبتداء في أن ثمة إخفاقات كان بإمكاننا تفاديها لو كان في المغرب حوار وطني حقيقي تشارك فيه الفعاليات العاملة في الحقل السياسي والاجتماعي والاقتصادي والتربوي… حوار صريح وجريء حول أوراش الإصلاح ومساراته وأجنداته. حوار يشارك فيه الجميع بأفكارهم وعقولهم ومبادراتهم واقتراحاتهم.
ثم هل بإمكان أمة ما أن تصوغ مشروعا مجتمعيا إن غاب داخلها الحوار البناء والتواصل؟ وحينما يغيب المشروع المجتمعي / مشروع الأمة يغيب الأفق الاستراتيجي وينفسح المجال أمام الترتيب الظرفي والحلول الترقيعية.
فلنتنادى جميعا إلى حوار وطني حول برنامج الإصلاح وأجندته:
حول الإصلاح السياسي والدستوري ومستلزماتهما،حول الإصلاح الحقوقي والإنتقال إلى الديمقراطية، حول الأمن المائي والغذائي في علاقتهما بالإصلاح الزراعي، حول إصلاح منظومتنا التربوية والتعليمية،حول إشكالية التنمية والطاقة وإصلاح القضاء، وإصلاح الحقل الديني…
فليدل كل من يهمه إثارة النقاش في قضايا الإصلاح وأولوياته بدلوه. من جهتي سأحاول أن أتطرق لبعض مواضيع الإصلاح المشار إليها أعلاه بداية ستكون بتناول قضية إصلاح القطاع الديني ودعم الهوية المذهبية للمواطن المغربي سواء في الداخل أو في ديار المهجر.
يجب التنويه إلى أن هذا الورش ليس ثانويا كما قد يتخيل البعض. والنقاش فيه ليس ترفا فكريا. كما أنه أكبر وأهم من مجرد كونه مباراة حامية الوطيس تدور بين ‘الإسلام الرسمي’ والحركة الإسلامية بمختلف تجلياتها وعناوينها من أجل احتكار التكلم باسم الدين واحتكار الفتوى فيه. إن حصر إصلاح الحقل الديني في مجرد الضبط الأمني (احتكار المؤسسة الدينية الرسمية للدين، استرداد الهيمنة على المساجد الخ…) وتوظيـــف علمــــاء وزارة الأوقاف ووعاظــــها كحراس يســـهرون على ‘الأمن الروحي’ للمواطنين أمر يدعو للاستــغراب وينم عن قصر النظر لدى البعض.
في تقديري لا يمكن أن نحقق الإصلاح السياسي بالانتقال إلى الديمقراطية إلا إذا تزامن هذا الأمر (الإصلاح السياسي) مع الإصلاح في مجال الحقل الديني الذي يجب أن يمتد إلى أبعد من ترتيب المؤسسات الدينية فيشمل أيضا الإصلاح في مجال الفكر والفقه الديني. فما لا يتم الواجب إلا به فهو واجب. وذلك لاعتبارين اثنين:
الاعتبار الأول يعود إلى الدور الكبير الذي يلعبه الدين في حياة المغاربة.
الاعتبار الثاني راجع إلى ازدياد الإقبال على الدين على المستوى العالمي بعد نهاية عصر الإيديولوجيات ودخول العالم إلى عصر الأصوليات الدينية، باعتبار أن الدين يمنح الإنسان المعاصر الطمأنينة على المصير والهوية والوحدة والخصوصية ويسمح له بامتصاص صدمات التحولات البنيوية المتسارعة والعميقة التي تطال المجتمعات خصوصا المحافظة في زمن عولمة ليبرالية متوحشة تمارس هويتها في التفكيك ونشر الفوضى (قليل منها بناء وأكثرها هدام..)
في الواقع المغربي سيكون من نافلة القول الاستغراق في النقاش حول علاقة الديني بالسياسي. فهي علاقة قائمة دستوريا. ففي الدستور المغربي نجد الإسلام (الديني) هو دين الدولة (السياسي). والملك (السياسي) هو أمير المِؤمنين (الديني).والإسلام (الديني) هو أهم مصدر من مصادر التشريع (السياسي). كما أن العديد من الأحزاب المغربية التي تؤطر المواطنين (السياسي) لها برامج تقول أنها مستمدة من الدين ولها مرجعية دينية.
في مثل مجتمعنا من الطبيعي أن يطغي توظيف الدين في الصراع السياسي وتأسيس الشرعية وفي الصراع على المصالح المتعارضة للفرقاء العاملين في الساحة المغربية. من هنا نفهم حرص الأطراف المتصارعة أو المتنافسة ببلادنا أن تكون لها الغلبة في احتكار الدين واحتكار تأويله واحتكار مجال الفتوى.
وإذا كانت حركات ‘الإسلام السياسي’ قد نجحت في الثمانينيات والنصف الأول من التسعينيات في استغلال أزمة المصداقية في الخطاب الديني الرسمي فبسطت نفوذها على هذا المجال، فإن المؤسسة الدينية الرسمية بالمغرب لا تخفي اليوم نيتها في ضرورة استرجاع المبادرة والهيمنة على هذا القطاع سواء بالمغرب أو في دول المهجر. ولكن دعونا نسائل وزارة الأوقاف وعلماءها: ماذا بعد استعادتكم السيطرة على المساجد واحتكار التكلم باسم الإسلام واحتكار الفتوى؟
هل ستعلنون نجاح إصلاح الحقل الديني وتمامه؟
أم أنكم ستعمدون إلى المبادرة لإصلاح الفكر والفقه السني المالكي كي يساير التحولات الجارية في مجتمعنا في أفق بناء مغرب الديمقراطية والحداثة (المبدعة وليست المقلدة)، مغرب النماء والتقدم؟
أم أن التقليدانية والمحافظة واستعارة الماضي فكرا وفقها واهتمامات وحلولا، سيدفعونكم نحو إعادة إنتاج فكر وفقه لا علاقة له بالواقع وانتظاراته وتحدياته إن على المستوى الداخلي المحلي أو عند مواطنينا في بلاد المهجر؟
أم أنكم ستسعون إلى إعادة بناء وإنتاج خطاب ديني وفقه يساهم في استمرارية وإدامة واقع الإكراه والاستبداد والقهر والغلبة بما يخدم مصالح فئات لا تريد تحقيق الانتقال إلى الديمقراطية وبناء دولة العدل والمساواة وحقوق الإنسان. أي يسير الإصلاح في المجال الديني: مجال الفقه والفكر في الاتجاه المعاكس للإصلاح السياسي والحقوقي الذي يبتغي تحقيق الديمقراطية؟
لن أنتظر الإجابات على الأسئلة أعلاه لأني أجزم قطعا أن لا قيمة لأي إصلاح في القطاع الديني من دون إصلاح الفكر والفقه السائد فيه وفتح باب الاجتهاد والتجديد. فلا مستقبل ولا ضمان للإصلاح الديني إذا ظل رواد هذا الحقل خصوصا العلماء والدعاة والخطباء يمتصون ويروجون لفكر وفقه الجمود والتقليد. يجب أن لا يفهم من كلامي أني استصغر فكر وفقه وإبداعات واجتهادات الآباء والأجداد.
أبدا، فأنا لم أقصد هذا الأمر ولم أعنه. فلست عاقا ولا جاحدا. كل ما في الأمر أني مؤمن بأن لكل زمن قضاياه وأسئلته وتحديات واقعه، فطبيعي أن يكون لكل زمان فقهه وفكره ورجالاته المجددين المجتهدين للجواب على أسئلة عصرهم وتحدياته.
هناك مؤشرات أو إشارات تصدر عن بعض علماء ووعاظ وخطباء وزارة الأوقاف والشؤون الإسلامية لا تدفع للاطمئنان على غايات الإصلاح وأهدافه.
و بيان ذلك صدور مواقف متشنجة تقترب من درجة التطرف اللفظي من هيئات علمائية مغربية رسمية وكنموذج:
- الرد على فتوى د. يوسف القرضاوي في مسألة الاقتراض من البنوك المغربية من أجل اقتناء السكن.
- الرد على رأي (ولا أقول فتوى) المغراوي بشأن تزويج بنت التاسعة.
- الهجوم على الفعاليات النسائية المغربية اللواتي طالبن بمناقشة بعض حالات الإرث ومسألة التعصيب…
وأتساءل في بعض الأحيان ما الفرق بين شيوخ السلفية الجهادية وبعض العلماء الرسميين في الخطاب؟ ربما الفرق الوحيد هو على المستوى السياسي أي على مستوى العلاقة والموقف من رموز السلطة ومؤسساتها!!!
لذا لا نحس إلا لماما (حينما يتعلق الأمر بالخطاب والموقف التلقائي) بالفرق وكأنما الجميع قد تخرج من نفس المدرسة: المدرسة التقليدية المحافظة مع























سرقتم ارضي